الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

517

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

نظام الثروة العامة تصرّفا عجيبا أقامته على قاعدة توزيع الثروة بين أفراد الأمة ، وذلك بكفاية المحتاج من الأمة مئونة حاجته ، على وجوه لا تحرم المكتسب للمال فائدة اكتسابه وانتفاعه به قبل كل أحد . فأول ما ابتدأت به تأمين ثقة المكتسب - بالأمن على ماله - من أن ينتزعه منه منتزع إذ قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [ النساء : 29 ] وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : في خطبة حجة الوداع : « إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا » ، سمع ذلك منه مائة ألف نفس أو يزيدون وتناقلوه في آفاق الإسلام حتى بلغ مبلغ التواتر ، فكان من قواعد التشريع العامة قاعدة حفظ الأموال لا يستطيع مسلم إبطالها . وقد أتبعت إعلان هذه الثقة بحفظ الأموال بتفاريع الأحكام المتعلّقة بالمعاملات والتوثيقات ، كمشروعية الرهن في السلف والتوثّق بالإشهاد كما تصرّح به الآيات الآتية وما سوى ذلك من نصوص الشريعة تنصيصا واستنباطا . ثم أشارت إلى أنّ من مقاصدها ألّا تبقى الأموال متنقّلة في جهة واحدة أو عائلة أو قبيلة من الأمة بل المقصد دورانها بقوله تعالى في آية الفيء : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ [ الحشر : 7 ] ، فضمير يكون عائد إلى ما أفاء اللّه باعتبار كونه مالا أي كيلا يكون المال دولة . والدّولة ما يتداوله الناس من المال ، أي شرعنا صرفه لمن سمّيناهم دون أن يكون لأهل الجيش حق فيه ، لينال الفقراء منه حظوظهم فيصبحوا أغنياء فلا يكون مدالا بين طائفة الأغنياء كما كانوا في الجاهلية يأخذ قادتهم المرباع ويأخذ الغزاة ثلاثة الأرباع فيبقى المال كله لطائفة خاصة . ثم عمدت إلى الانتزاع من هذا المال انتزاعا منظّما فجعلت منه انتزاعا جبريا بعضه في حياة صاحب المال وبعضه بعد موته . فأما الذي في حياته فهو الصدقات الواجبة ، ومنها الزكاة ، وهي في غالب الأحوال عشر المملوكات أو نصف عشرها أو ربع عشرها . و قد بيّن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وجه تشريعها بقوله لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن « إن اللّه فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم » ، وجعل توزيع ما يتحصّل من هذا المال لإقامة مصالح الناس وكفاية مؤن الضعفاء منهم ، فصاروا بذلك ذوي حق في أموال الأغنياء ، غير مهينين ولا مهدّدين بالمنع والقساوة . والتفت إلى الأغنياء فوعدهم على هذا